صديق الحسيني القنوجي البخاري

81

فتح البيان في مقاصد القرآن

من الفتح والضم يجري في الآلة والمصدر والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها لأنهم قرنوا أنفسهم بها في الدنيا فجعلت وقودا للنار معهم ، ويدل على هذا قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] وقيل المراد بها حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابا قاله ابن عباس ، وقيل جميع الحجارة ، وفيه دليل على عظم تلك النار وقوتها وفي هذا من التهويل ما لا يقادر قدره من كون هذه النار تتقد بالناس والحجارة فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها . أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي لمن كان مثل ما أنتم عليه من الكفر ، قاله ابن عباس والمعنى جعلت عدة لعذابهم وهيئت لذلك ، وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هذه الآية وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ قال أوقد عليها ألف عام حتى احمرت وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها ، وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا مثله ، وأخرج أحمد ومالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قالوا يا رسول اللّه إن كانت لكافية قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها » « 1 » . وعن أبي هريرة قال أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون ، إنها لأشد سوادا من القار « 2 » ، والآية دلت على أنها مخلوقة الآن إذ الإخبار عن إعدادها بلفظ الماضي دليل على وجودها وإلا لزم الكذب في خبر اللّه تعالى ، فما زعمته المعتزلة من أنها تخلق يوم الجزاء مردود ، وتأويلهم بأنه يعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق الوقوع ومثله كثير في القرآن مدفوع بأنه خلاف الظاهر ، ولا يصار إليه إلا بقرينة ، والأحاديث الصحيحة المتقدمة تدفعه . وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد كما هي عادته سبحانه وتعالى في كتابه العزيز لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته ، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه ، والتبشير الإخبار بما يظهره أثره على البشرة وهي الجلدة الظاهرة من البشر والسرور ، والمأمور بالتبشير قيل هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل هو كل أحد كما في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « بشر

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 10 ، والترمذي في جهنم باب 7 ، وابن ماجة في الزهد باب 38 ، والدارمي في الرقاق باب 120 ، ومالك في جهنم حديث 1 ، وأحمد في المسند 2 / 313 ، 467 . ( 2 ) أخرجه مالك في جهنم حديث 2 .